إفادة مثيرة وحقائق خطيرة عن التعدين العشوائي عن الذهب

ان التنقيب عن المعادن له اصوله وقواعده التي لابد ان تحافظ على البيئة وتعتمد على دراسات مسبقة ولا تتم بطريقة عشوائية تفتقد الاساليب المهنية الصحيحة التي تحتاج لاستثمارات عالية قبل ان تصل الى نتائج ملموسة ولاتضر بالارض والبيئة. وهناك ايضا حقوق السكان المحليين ومصالحهم التي لابد من حمايتها ورعايتها، وقد تعرض الاقليم الشمالي الى هجمة شرسة للتنقيب عن الذهب في الآونة الاخيرة من جماعات عديدة مزودة باجهزة حديثة للكشف عن هذا المعدن النفيس. وهى هجمة اشبه ما تكون بالهمجمة التي تعرض لها الغرب الامريكي في القرن التاسع عشر حينما زحفت جموع المغامرين والطامعين الطامحين في الثراء العريض لاكتشاف هذا المعدن حيث اخذوا ينقبون بطريقة عشوائية عن الذهب فينجح بعضهم ويفشل البعض الآخر ونشبت بينهم صراعات حسموها بالسلاح. والهجمة الحالية سببها التطور التكنولوجي الذي افرز معدات الكترونية للبحث عن هذا المعدن مما أدى بمئات الاشخاص للتزود بهذه المعدات والاتجاه نحو ولاية نهر النيل والولاية الشمالية للبحث عن الذهب في تلك المناطق ودخل بعضهم في صراعات مع اهل المنطقة مما استدعى ان تتدخل السلطات الولائية وتتحرك لتنظيم هذا الهجوم ومنح تراخيص محلية لاولئك المغامرين، وآثار هذا بدروه اشكالية أخرى حول ملكية الثروات في باطن الارض التي يكرسها الدستور الاتحادي الحالي للمركز بالتعاون مع الاقاليم في المستوى الولائي مما يعني ان الولايات لا يمكنها الانفراد باتخاذ مثل هذه القرارات. ويشير الاستاذ محجوب الى حديث وزير الطاقة الزبير أحمد الحسن عن هذه القضية وقوله مؤخرا انهم بصدد اصدار لائحة لتنظيم العمل ووقف التعدين العشوائي مشيرا الى المضار التي تترتب على هذا النوع من النشاط وموضحا ان له آثار بيئية خطيرة اذ ان المنقبين عشوائيا عن الذهب يستعملون عنصر الزئبق الذي يضر بالبيئة فضلا عما يثيره من اضرار بين السكان المحليين. وقال الوزير ان اللائحة الجديدة المقترحة ستشجع تاسيس شركات سودانية صغيرة ذات مقدرة مالية تمكنها من الاستثمار والعمل في هذا المجال بصورة مشروعة آخذة مصالح السكان المحليين في الاعتبار وموفرة فرص العمل للراغبين وبهذا الاسلوب يمكن دخول الافراد والمجموعات للتعدين عن الذهب الذي ظل وقفا على الشركات الاجنبية حتى الآن. وفي ذات السياق وتحت عنوان "خبير جيولوجي يكتب عن التعدين العشوائي والبيئة بنهر النيل" نشرت الزميلة صحيفة "الأيام" بتاريخ 23 نوفمبر مقالا ذكرت ان كاتبه الذي لم يفصح عن اسمه كان يعمل في مجال التعدين منذ عام 1974م حتى وصل لمنصب كبير الجيولوجيين في اكبر شركة تعدين في المملكة العربية السعودية وبعد أن اتصل به بعض السودانيين الراغبين في التعدين في منطقة نهر النيل قام بزيارة للولاية ووجد ما يقنعه بوجود معدن الذهب لكنه يحتاج لاستعمال الطرق العلمية في البحث والاستكشاف ولكن هاله العمل العشوائي الذي يحدث هناك واستعمال الزئبق بالغ الخطورة، وبعد ان قام بمحاولات عديدة للفت نظر المسؤولين دون جدوى كتب هذا المقال تعليقا على ما أثاره باب "أصوات واصداء" في "الأيام" على النحو المشار اليه اعلاه. وفي هذا الاطار يقول كاتب المقال تأثر المجتمعات الانسانية على البيئة من حولها كان محدودا حتى ظهور الثورة الصناعية في اوربا في القرن الثامن عشر التي قامت على الصناعا المرتكزة على الثروة المعدنية مثل الحديد والفحم والبترول والغاز والمعادن الاخرى التي استندت عليها تلك الثورة فظهرت المصانع الضخمة حول المدن الاوربية آنذاك وهى تفرز كيانات هائلة من النفايات والغازات دون وعي وتغاضت اوربا كلها عن الاضرار بالبيئة وتأثيرها على الانسان تحت تأثير لوبي اصحاب المصانع ورجال الاعمال في ذلك الحين ولم تفق الا بعد ان امتلأت انهارها بالنفايات لتقتل كل حي فيها كما امتلأت سماؤها بالغازات السامة فهرب الاغنياء الى الارياف والجزر تاركين الفقراء يستنشقون تلك الغازات السامة حتى ظهرت جمعيات واحزاب لحماية البيئة وصار المتطرفون من انصارها يطالبون بوقف النشاط التعديني حتى ولو رجعت مجتمعاتهم الى العصور القديمة لما قبل الثورة الصناعية حيث كانوا يرددون حينها ويتساءلون عن فائدة الذهب لثروة بعد ان نفقد حياتنا وحياة ابنائنا. ويشير المقال الى الزيادة التدريجية لقوة انصار البيئة في العالم حتى اصبحت احزابها وجمعياتها تضغط على الاجهزة التشريعية لوضع قوانين صارمة ولملزمة لحماية البيئة وصار اصدار رخصة للتعدين مرتبطا بدراسات بيئية توضح بالتفعيل الخطوات والاجراءات العملية التي سوف تتخذها الشركات المستثمرة للتقليل من الآثار الضارة للتعدين على البيئة ونظرا للتكلفة الكبيرة لاجراءات حماية البيئة فقد صارت بعض الشركات الاوربية والامريكية الكبرى المستثمرة في مجال التعدين تنقل النفايات الضارة الى الدول الفقيرة تارة برشوة الحكام وتارة باستغلال ضعف امكانيات هذه الدول في حماية اراضيها وفرض سيادتها عليها. وقد انتشرت في عهد الحكم المايوي السابق في السودان شائعات بان الامريكيين في معسكرات شركة شيفرون للتنقيب عن البترول يهربون اليورانيوم بالطائرات ولكن بعد سقوط ذلك النظام وانتصار الانتفاضة الشعبية التي انحازت لها القوات المسلحة عام 1985م ظهرت الحقيقة المتمثلة في تلك الطائرات الامريكية كانت تنقل النفايات من اوربا وامريكا وتدفنها في السودان آنذاك.  ويضيف الخبير الجيولوجي في المقال المشار اليه ان ظاهرة عدم الاهتمام بالبيئة صار ظاهرة عامة في مدن وقرى السودان ولكن الاستثمار بالبيئة وعدم المبالاة من قبل المتعلمين والمسؤولين وصل درجة غير معقولة في ولاية نهر النيل بعد اكتشاف الذهب في منطقة العبيدية بتلك الولاية حيث هرع الناس للعمل في استخراج الذهب بطريقة بدائية واقاموا مدنا عشوائية في اماكن التعدين بجانب نهر النيل وعندما منعت السلطات المحلية العمل في المدينة رحل الذين تأثروا بذلك الحظر الى الصحراء ينشئون المدن العشوائية ويستخرجون خام الذهب بحفر الآبار العشوائية التي لا يعرف احد عمقها واتجاهها وبعدها يتركون تلك الحفر التي تنتشر في كل مكان لتكون شركا للرعاة الرحل وحيواناتهم وقد انهارت آبار على اولئك المساكين ونشرت الصحف عن موت ستة اشخاص في بشر واحدة ولأسباب امنية استغلت السلطات المحلية في بربر هذه المناسبة وجهزت لهؤلاء مكانا شرق المدينة فاقاموا مدنية عشوائية بها اكثر من عشرة آلاف شخص خلال يومين وعندها تدخل الامن الاقتصادي وطلب قفل تلك المنطقة فطلبت السلطات المحلية مهلة شهر لأنها تحصلت على رسوم وجبايات على جميع تلك الانشطة ذات الطابع العشوائي داخل المنطقة ولابد من تعويض دافعي الرسوم ما دفعوه عن طريق السماح لهم باستخراج بعض الذهب. وبعد شهر من ذلك تسرب العاملون في التعدين العشوائي عن الذهب الى داخل مدينة العبيدية وفي المزارع على ضفاف نهر النيل يعبثون وينشرون السموم والاتربة وسط سكان المنطقة وعلى كل كائن حي تحت حماية السلطات المحلية وتشجيعها لهم باصدار مراسيم لتقنين التعدين العشوائي مبررين قراراتهم هذه بان هذا النوع من التعدين موجود في العالم ويتيح للمواطنين مصادر دخل اخرى مرددين كلاما لا يصدر حتى من راعي الابل والغنم في بادية البطانة وهو قولهم ان الذهب الذي على سطح الارض لهم وداخل الارض للحكومة، واليوم عند ما تزور المزارع والمترات والساحات والمنازل غير المسكونة في العبيدية تجد الطواحين واحواض غسيل الخام بالزئبق داخلها وتجد اماكن استخلاص الذهب من الزئبق في الاسواق بجانب محلات المطاعم والمشروبات والمرطبات!! ويضيف الخبير الجيولوجي ان المبكي حقا هو أن المسؤولين في السلطات المحلية في ولاية نهر النيل لا ترى في كل هذا ما يستحق الاعتراض حتى اذا كانت هناك قرارات وقوانيين اصدرها المجلس الوطني وصادق عليها رئيس الجمهورية متعللين في ذلك باعذار واهية لحماية هذا النشاط وباذلين كل جهدهم في تقنين التعدين العشوائي عن الذهب دون ان يكلفوا انفسهم بمعرفة الآثار الكارثية لهذا النشاط على الانسان والحيوان والنبات وهم في ذلك مثل المواطن المصري المغلوب على امره الذي استورد اطعمة فاسدة من اروبا منذ فترة الى مصر الشقيقة ايام الانفتاح الساداتي المشهور ولما جرى القبض عليه وقدم للمحاكمة في ذلك الحين قال للمحكمة "أليس هذا احسن من الموت بالجوع؟!!".  وتجدر الاشارة في سياق ذات الاطار الى ما ورد في الزميلة صحيفة "التيار" الصادرة بتاريخ 23 نوفمبر الماضي تحت عنوان ذهب ولاية نهر النيل وقصص أقرب الى الخيال في افادات مثيرة للرجل الذي اخلى الاجهزة الحديثة للتنقيب عن الذهب واخرج قريته من حفر الفقر لكنه الآن في ورطة بعد ان انقذ مصنعا اوروبيا من الافلاس.